كلمة المجمع في استقبال الأستاذ الدكتور عبده علي الراجحي للأستاذ الدكتور كمال بشر الأمين العام للمجمع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كلمة المجمع في استقبال الأستاذ الدكتور عبده علي الراجحي للأستاذ الدكتور كمال بشر الأمين العام للمجمع

مُساهمة من طرف محمود عبد الصمد الجيار في الثلاثاء سبتمبر 10, 2013 1:12 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المجمع في استقبال الأستاذ الدكتور عبده علي الراجحي
للأستاذ الدكتور كمال بشر الأمين العام للمجمع
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها السادة، كنتُ قد عَقدتُ العَزْمَ على أن آتيَ بِكلامي في هذا المَقَامِ ارتِجالاً، كَعَادَتِي منذ أكثَرَ من خَمْسِينَ عامًا في مَقَامَاتِ البَيَانِ وخِطَابِ الجَماهير. ولكنِّي (هذه المَرة وفي مرات أخرى معدودة) خشيتُ أن يجنح بي المقام فأُرَدَّ على عَقِبيّ خَاسِئًا حَاسِرًا. فَعمَدْتُ بعدُ إلى كِتَابَةِ هذه الكلماتِ القَصيراتِ ذاتِ الخطُوطِ المَحْدُودَة والقُيودِ المَمْدودة، وفاءً بِحَقِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الراجِح عقْلاً وفِكرًا وثقَافَةً وسُلوكًا، ووفاءً بِحَقِّكُم أيضًا في وجُوبِ الالتزامِ بانضباطِ التزمين، حتى لا يَنْدَمَ على حضورِه زائِر أو يتأفَّفَ ويَتَملمَلَ في مقعده شَاهد أو ناظِر. وعلى هذا أقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الأستاذ الدكتور شوقي ضيف رئيسَ المجمع:
السادة الزملاء الأفاضل أعضاءَ المجمع:
السادة الحضور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد،
فإنَّها لسعَادَةٌ غامِرةٌ أن وكَّل إليّ مجلسُ المجمع الموقَّر شَرفَ استقبال فارس من نمط فريد، تعتزّ قبيلة الشيوخ بانضمامه إلى حوزتها، وتزهو برشده وحصافته وبُعدِ نظره، في كيفيات الصولان والجولان في ميدانهم الذي يعِزّ على الكثيرين انتِسابُهم إليه أو الاقترابُ منه. ذلكم الفارس أيها السادة، هو الأستاذ الدكتور عبده الراجحي. إنه فارس ذو رياستين حظيتا بتاجين مختلفين طلاء، مؤتلفين بناء، فكان التكامل في الطبع والصُّنع، تكاملَ الإنسان على الوجهِ الذي أراده الله للأناسيّ الذين مازهم منهم، وفضلهم على سائر مخلوقاته.
أما الرياسة الأولى فقد خُلِعَ عليه تاجُها من الريف المصري العظيم. نشأ الراجحي وتربّى على «مصطبة» القرية، حيث يجلس العُمَدُ وحواريّوهم. وما أدراك من هم العُمَدُ في أيَّام الزمان الجميل الذي فاز صاحبنا بالعيش فيه لسنوات معدودات. جالسَ زميلُنا المحتفى به هؤلاء الأماجدَ ذوي الحُنكَةِ والدُّرْبَةِ، مستمعًا في البدء لما يقولون، مشاركًا بعدُ في الحوار، وإن على استحياء، حتى صلُبَ عوده واستقام بنيانه، وتفتَّحَ ذهنه ونما فكره، مزوّدًا بقيم الريف المصري الأصيل ومبادئه التي تصنع الرجال من أمثال «عريسِنا» الراجحي، الذي أبى إلا أن تكون قرينتُه هي مصر، حيث البذلُ والعطاء والنعمة والرخاء. فليقدِّمْ لها ولشبابها حقَّ الوفاء وما يسطيعه من جهد وعطاء.
وكان ما كان، انصرف الصبي إلى كتّاب القرية، شأنه في ذلك شأنُ السلالةِ الطيبة من أبناء ذوي الحصافة والرُّشد من فلاحي مصر، في تربية الأجيال. حفظ القرآن الكريم، وألمَّ بشيء من قواعد الحساب ورسوم الكتابة وضوابِط الإملاء، فتفتَّح ذهنه، وأخذ يفعّل طاقاتِه وإمكاناته في استقبال المعارف والتوليد منها، وإن بالتدريج، حتى رشحه هذا النهجُ الواعي من الاستقبال والإرسال للانخراط في ميدانٍ من المعرفة أوسعَ وأرحب، وأكثر تنوعًا.
التحق بالتعليم العام وقضّى فيه سنواتِه المقررةَ المرسومة، دون انقطاع أو ملل أو تكاسل، حتى نال الثانوية العامة بكفاية الشباب وعزم فِتيان الرجال. وكان للكتّاب أثرُه البالغ في هذا النجاح وذاك التوفيق، إذ إن «قرآنه» بإحكامِ آَيِهِ، وعمق فكره، وإجادة قراءته، وتجويد أدائه - كل ذلك قد منح الفتى الرجلَ حكمة التفكير، وحسنَ التدبير، والإفصاحَ عن كل ذلك بلسان عربي مبين، أغراه، بل دفع به دفعًا إلى حيث «العوربة»، انتماءً وفكرًا. ونموذجُها الصحيح الموثوق به، هو قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية.
انتقل صاحبنا «الراجحي» إلى الإسكندرية، مطبوعًا على «الانتماء» الذي شرب من أفاويقه على مصطبة القرية وصُبَّ في عقله صبًّا وملأ وجدانه، وأفصح عن نفسه سلوكًا وتصرفًا في دنيا الله.
وفي «عروس» البحر المتوسط، وجد العريس طِلبته، وفاز بحورته، فحلا له المُقام، الرائق المنعش، حتى يستطيع التوليدَ من فكره الخِصب، وينصرفَ في أناة وحكمة إلى رعاية ما يولّد وينتج، والدفعِ بكل ذلك إلى الميادين العربية، فارسًا من فرسانها المجلّين.
بدأ شوطَ الرياسة الثانية بآلياتها، وفعّلها على خير وجه، حتى تشقَّ له الطريقَ الصحيح وتكفلَ له إكمال المسيرة بنجاح وتوفيق، إلى أن حاز تاج التفرّد والامتياز في ميدان العلم والمعرفة بعامة، وفي ميدان الدرس اللغوي وما لفّه من ثقافات متنوعات على وجه الخصوص.
حصل على درجة الليسانس في الآداب من جامعة الإسكندرية سنة ) 1959 م( ثم عيّن معيدًا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب سنة )1961 م(، وخطا بعدُ خطواتٍ واثقةً في الدرس والتحصيل حتى نال درجَتي الماجستير والدكتوراه من هذه الجامعة، وتمّ له حصدُ هذه الدرجات العلمية جميعًا سنة )1967م(.
وفي هذا العام نفسه عمل مدرسًا بقسم اللغة العربية. وتدرج الرجل في سلم الصعود العلمي الأكاديمي إلى أستاذ مساعد فأستاذ سنة )1977م (.
ولم يقف الأمر بزميلنا الفاضل الدكتور الراجحي عند هذا الحد من المواقع الأكاديمية الفائقةِ القدْر الرفيعةِ القيمة في قوافل العلم والفكر، بل تعداه إلى ما هو أوسعُ وأرحب. رشحته عبقريته وأهّلته إمكاناته المنوّعة إلى تولّيه مناصبَ إداريةً علميةً ذاتَ شأن مقرر معلوم، في رسم الخطوط ولمِّ الخيوط، ومتابعةِ ما رُسم ونُظم بصدق وحزم. تولّى صديقنا المحتفى به عددًا كبيرًا من هذه المناصب الجامعة بين الحسنيين، نذكر منها ما يلي على ضرب من التمثيل:
عمل رئيسًا لقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، ثم وكيلاً للدراسات العليا والبحوث بالكلية نفسها، ومديرًا لمركز تعليم اللغة العربية للناطقين باللغات الأخرى، ومديرًا لمعهد الدراسات اللغوية والترجمة. وقد شرفت به كل هذه المناصب (وغيرُها) في إطار جامعة الإسكندرية. ولكنَّ همة الرجل ونجاحاتِه في تسيير شؤون هذه المناصب وتصريفِ أمورها قد شاع قدرها وعلا ذكرها، وامتدّ ريحها الطيبُ إلى مناطق أخرى في العالم العربي، حيث اختير عميدًا لكلية الآداب - جامعة بيروت العربية، ورئيسًا لقسم تأهيل معلمي اللغة العربية للناطقين باللغات الأخرى، بجامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية بالسعودية.
وطار ذكرُ الراجحي، واتسعت آفاق علمه وفضلِه، فلبّى دعواتٍ متعددات متنوّعات من جامعات وهيئات علمية، عربيةٍ وغير عربية، معارًا أو زائرًا أو مشتركًا في مؤتمرات وندوات.
أعير إلى جامعة بيروت العربية مرتين، كما أعير إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. ودُعي أستاذًا زائرًا إلى جامعة صنعاء، وجامعة «إرلانجن» بألمانيا.
أما حضوره إلى المؤتمرات والندوات واشتراكُه فيها بالبحوث والمناقشات والتعليقات فأمر فائق القدر في العدّ، عظيمُ الأهمية في معناه ومغزاه، ودليلُ عالمية الأستاذ، وأمارةُ سعةِ معارفه وعمقِ فكره. ويزيد من قيمة هذا الحضور، ويؤكد شمولَ المعرفة، وخاصّةَ الانتماء الحقيقي إلى الإنسانية في عمومها، بقطع النظر عن الزمان والمكان، أن كانت هذه المؤتمراتُ والندوات مشغولةً بدراسات وبحوث ذاتِ ألوان متنوّعات تقابل ألوانَ الفكر عند الإنسان واتجاهاتِه في الحياة، مهما بعُدَ موطِنهُ أو اقتربَ في الشرق والغرب على سواء.
وتلك نماذج معدودة مما جَهِدَ الرجل نفسَه في حضور هذه المؤتمرات والندوات والأخذِ بنصيب ذي أثر فاعل فيها:
- مؤتمر مشكلات تعليم اللغة العربية بالجامعات العربية- بالإسكندرية.
- مؤتمر تقنية الحاسوب واللغة العربية- الرياض بالسعودية.
- مؤتمر العلاقات الإسلامية البيزنطية- سالونيك اليونان.
ومن نماذج الندوات:
- الندوة الأولى لتعليم اللغات- جامعة الكويت.
- الندوة الأولى للّسانيات- الرباط- المغرب.
- ندوة مشكلات تعليم اللغة العربية للناطقين باللغات الأخرى- كوالا لامبور )ماليزيا(.
أما المؤتمرات والندوات التي شرُفت بحضوره، مقتصرًا على المناقشات والتعليقات، من حيث
عددُها وزمانها ومكانها، فحدِّث عنها ولا حرج، وليس لدينا من الوقت ما يسوّغ لنا الكلامَ عنها أو الإشارة إليها.
السادة الحضور:
كل ما ذكر من نماذجَ أو صورٍ للنشاط الفكري المتنوع الصفات والسمات، لا يعدو أن يكون حَسْوَةَ طائر من بحر عميق. إنها مجرد لافتات تنبئ عن طبيعة البضاعة وصنوفها، وتُفْصح عن تفردها وامتيازها بالطبع والصُّنْع. وهي بضاعة أو مخزونٌ منها لا يستطيع امتلاكَها أو التصرف فيها إلا القليل من الرجال، وفي مقدمتهم زميلنا الكريم الدكتور الراجحي.
وليس هذا فقط، فلقد برزت إلى الوجود بضاعات أخرى أعمقُ تأثيرًا وأكثرُ انتشارًا ونفعًا. بضاعاتٌ ذات طعوم ومذاقاتٍ متنوّعةٍ، تلبّي حاجة المتخصصين، وتمنح مفاتيح المعرفة اللغوية والثقافية للجماهير العريضة. طرحها صاحبنا المحتفى به على هؤلاء وأولئك في صورة كتب مؤلفة ومترجمة، ودراساتٍ وبحوث كثيرة.
ولسنا بقادرين في هذا المقام على أن نقف عند كل هذه الآثار وقفات خاصة. وتكفينا الإشارةُ إلى نماذج منها بذكر عناوينها، وهي أمارة مضامينها، والكاشفةُ عن مجالاتها، وما خُصِّصت له من البحث والدرس.
ومن اللافت للنظر -إعزازًا وتقديرًا- أن جاءت هذه الأعمال والآثار لتغطيَ مساحاتٍ واسعةً من مجالات الفكر الإنساني بصنوفه المتعددة: في الفكر اللغوي والأدبي والثقافي والاجتماعي، وحقولِ المعرفة العامة. وكان للفكر اللغوي منها النصيبُ الأكبر، وفاء بمسؤولياته في إطار اهتماماته، بحكم موقعه الذي رُسم له أو رسمه لنفسه. كتب وأجاد في الدرس اللغوي، القديم منه والحديث والعام والخاص، والنظري والتطبيقي. ولم يكن كل ذلك مقصورًا على مستوى من التحليل اللغوي دون آخر، بل غطّى مجملَ الفروع اللغوية بمنهج مقبول معتدّ به، بعيدٍ عن الاضطراب أو الخلط بين المناهج، كما نلمسه أحيانًا من بعض الدارسين المتخصصين وغير المتخصصين.
وهذه نماذج من أعماله اللغوية، مشفوعةً بأمثلة من مجالات الفكر الأخرى:
- النحو العربي والدرس الحديث.
- النحو العربي وأرسطو.
- دروس في المذاهب النحوية.
- دروس في شروح الألفية.
- فقه اللغة في الكتب العربية.
- النظريات اللغوية المعاصرة وموقفها من العربية.
- اللهجات في القراءات القرآنية.
- التطبيق الصرفي.
- التطبيق النحوي.
- علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية.
- أسس تعلّم اللغة وتعليمها. (مترجم بالاشتراك.
- مشكلة تعليم النحو لغير الناطقين بالعربية.
- كلام الأطفال.
- اللغة وعلوم المجتمع .
وفي الأدب والأسلوب:
- علم الأسلوب.
- والمواءمة.
وفي الثقافة والمعارف العامة:
- الشخصية الإسرائيلية.
- هيراقليطس فيلسوف التغير.
- عبد الله بن مسعود.
أيهاالسادة:
ماذا يعني هذا الإنتاج الغزير، والجهدُ الفائق الذي لا يعرف الكلل أو الملل؟ إنتاج متواصل الحلقات في الزمان والمكان، وجُهْد الأوفياء المخلِصين من شباب الشيوخ و شيوخ الشباب الذين اكتملت لديهم الأدوات الفاعلة من فتوّة الشباب وحُنْكة الشيوخ.
فلو اقتصرنا في هذا المقام -نظرًا لضيق الوقت- على أعماله في الميدان اللغوي العام، لأوجزنا الكلام في جملة واحدة: الدكتور الراجحي علم نادر المثال، يرود ويقود ويرشد ويوجّه. ولم يقف هذا وذاك عند فترة من الزمان محدودة، أو موقع من المكان خاص، أو جانب من الدرس اللغوي دون آخر. لقد اتسعت جهوده وامتد فكره إلى مجمل مسارات الدرس اللغوي، في فلسفته واتجاهاته ومناهجه ورجاله على امتداد الزمان المتعاقبةِ خطواتُه واتساعِ المكان المتراميةِ أطرافُه في القديم والحديث.
وفي إيجاز آخر أقربَ صلةً وأوثقَ نسبًا بموقعه في مجمع الخالدين، نقول: إن الراجحي فارس لغوي يصول ويجول في ساحات الدرس اللغوي العربيّ بعامة، بالتركيز على ميدانين افترقا في المسيرة زمنًا واتجاهًا، وائتلفا، بل تكاملا في الهدف المطلوب والقصد المرغوب، وهو خدمة اللغة العربية ونفع أصحابها.
الميدان الأول:
يتمثل هذا الميدان في محاورة الجنود لتعرف مواقعهم وجملةِ نشاطهم، ولتصنيفِ هذا النشاط من حيث صلاحيتُه وإمكاناتُه للوصول إلى الغاية المنشودة: نظر وفكّر وتدبّر في مجمل ذلك المحصول اللغوي الضخم الواسعِ الأبعاد والجنبات الذي ألقى به إلينا ذلك النفرُ من المقاتلين الأشدّاء من علماء العربية في القديم. صنع هذا كلَّه بحكمة وأناة، فألفى هذا المحصولَ غذاءً طيبًا وثمرًا نافعًا، يُزيل الجَوْعة ويصرف اللوعة ويمسح الدمعة، وإن كان يحتاج في إعداده وطرائق تناوله إلى شيء من الحصافة وبُعد النظر في اختيار ما يناسب أو يلائم الظرفَ والمناسبة من هذا الإعداد وذاك التناول.
هداه فكره إلى أن التقعيد اللغوي عند العرب، جاء مبنيًّا على منهجين متكاملين، تكامل الإنسان صاحب اللغة. بُنِيَ التقعيد عندهم على «النقل» و«العقل» معًا، فالتقى الجمعان التقاءً كاملاً مع طبيعة الإنسان وخاصته المتمثلة في الجسد والروح. يؤكد صاحبنا الدكتور الراجحي هذا المعنى بقوله: «إن النحو العربي (ويقصد به قواعد العربية في عمومها المعبر عنها حديثًا بالمصطلح Grammar ) كان صورةً للمناخ الفكري العام في الحياة الإسلامية... وإن هذا المناخ قد زوّده بالاتجاه النقلي الذي أفضى إلى منهج وصفي واضح، وزوده أيضًا بالاتجاه العقلي الذي أدى به إلى عدم الوقوف عند الوصف المحض، وإنما تعداه إلى تفسير ظواهِرِ العربية تفسيرًا عقليًّا. ويستمر قائلاً: والذي لاشك فيه أن النحو العربي بامتلاكه هذين الاتجاهين، استطاع أن يُثبت صلاحيته التي لا تنكر في فهم طبيعة العربية».
ومن الطريف حقًّا، أن هذا المعنى الذي يتضمنه مسلك العرب في التقعيد وارتضاه صاحبنا المحتفى به- هذا المعنى نفسه بالتصريح والتضمين، قد أدركه ووعى حقيقتَه بعضُ شعراء العربية في القديم. فهذا واحد منهم يقول:
إِنَّ الكلاَم لَفي الفُـؤَادِ وَإِنَّما
جُعِلَ اللِّسَانُ على الفؤادِ دليلا
ويقول آخر:
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌٌ، وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ
فَلَمْ تَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ
فاللسان في البيتين (وهو الجارحة) يمثل الجسد، والفؤادُ في هذا المقام هو «العقل» فاكتمل الأمر
للإنسان، كما اكتمل المنهجُ: «منهج النقل ومنهج العقل»، وفاء بوفاء، والتقاء كاملاً بلا مراء.
وليس هذا فقط، فإن هذا المسلك الثنائيَّ المتكاملَ في تقعيد العربية يلتقي التقاء يكاد يكون مباشرًا مع ما قرره علماء اللغة الأوربيون في العصر الحديث، من أمثال «همبولت» الألماني و«تشومسكي» الأمريكي المعروف. ويقول الدكتور الراجحي راويًا ومفسرًا أفكار الرجلين في هذه القضية:
«إن اعتبار اللغة عملاً للعقل أو آلةً للفكر، والتعبيرَ الذاتيَّ، يعني أن للغة جانبين: جانبًا داخليًّا وآخر خارجيًّا. وكل جملة يجب أن تدرس من الجانبين. أما الأول فيعبر عن الفكر، وأما الثاني فيعبّر عن شكلها الفيزيقي باعتبارها أصواتًا ملفوظة». ويستمر قائلا: «وهذه الأفكار هي التي ظهرت بعد ذلك عند «تشومسكي» تحت اسم البنية العميقة والبنية السطحية، ولما كانت البنية العميقة تعبر عن المعنى في كل اللغات، فإنها تعكس أشكال الفكر الإنساني. وعلينا أن نعرف كيف تتحول هذه البنيةُ إلى كلام على السطح. ولما كانت اللغة لانهائيةً فيما تُنتج من جمل، رغم انحصار مادتها الصوتية، فإن هذا النحوَ يهتم أيضًا بدراسة النظام الأساسيِّ الذي تتولد منه قوانينُ البنية العميقة قبل تحويلها إلى كلام على السطح».
ومن هنا نحا الدكتور الراجحي باللائمة على كل أولئك الذين لم يَرُقْهم هذا المنهج، ونعتوه بنعوت تشي بعدم الرضا أو عدم قبوله جملة وتفصيلاً، ووصفوا حصيلته اللغوية (والنحوية منها بوجه خاص) بالجمود والتخليط في الأحكام نتيجة الخلط في مناهج التفسير والتحليل. ووقف وقفة خاصة عند الوصفيين الذين أنكروا بصراحة جدوى الاعتماد على الجوانبِ العقلية في التحليل اللغوي. في رأيهم أن هذا الاعتماد يستلزم الدخول في ميادين المنطق والفلسفة، وما إلى ذلك من مجالات تقود إلى الافتراضات والتخمين والحدْس،الأمرُ الذي لا يفيد كثيرًا في تحليل اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية.
وأنا بموقعي في مدرسة الوضعيين أودّ أن أطمئن زميلنا الفاضل بأن الوصفيين في جملتهم لا ينكرون الجانب العقلي للغة. إنه هناك. ولكنهم يدركون صعوبة الكشف عما يجري في هذا الجانب كشفًا علميًّا دقيقًا يعتمد عليه. ومن ثم -في رأيهم- كان الاعتماد عليه أو الأخذ به في التحليل والتفسير السليم للغة مدعاة للشك في الوقوف على أرض صلبة تنبئ عن حقيقة ما يجري في العقل وكوامنه من أسرار وأفكار. ورأوا الاكتفاء بوصف الواقع الحيّ المنطوق، على أساس أن هذا المنطوق مرآة صادقة تعكس كوامن العقل ومخزون من الفكر اللغوي. ومعناه بعبارة أخرى، أن الاكتفاء بوصف البنية السطحية لا يعني إنكار البنية العميقة، بوصفها خاصة لغوية إنسانية. هذه الخاصة الإنسانية منحة من الله جل وعلا، وهي صالحة للعمل بالتفعيل والتوليد منها حسب البيئة اللغوية المعينة. والبيئات اللغوية كثيرة لا حصر لها، ومن ثم لا نعجب ولا ندهش إذا جاء هذا التوليد مختلفًا من بيئة إلى أخرى، بل من فرد إلى فرد آخر.
ويمكن توضيح هذه القضية التي حار اللغويون (وغيرهم) في تعرّف حقيقتها والكشف عن أسرارها، بالإشارة إلى «الحاسوب» (الكمبيوتر) وتقنياته وطبيعته وكيفيات تفعيله.
جهاز الحاسوب بهذا الوصف (أو Hardware) يقابل الكفاية أو المقدرة اللغوية عند الإنسان Competence، ولكن وظيفة هذا الجهاز لا تظهر ولا يكون لها أية قيمة إلا بالبرمجة Software فكذلك تلك الكفاية أو المقدرة اللغوية لا تفصح عن نفسها ولا يكون لها أي مردود إلا بتفعيلها. وهذا التفعيل يقوم به الفرد أو الأفراد أو البيئة اللغوية المعيّنة. ومعلوم أن البيئات اللغوية لا حصر لها ولا عدّ، وكذلك الحال بالنسبة لناتج التفعيل. والتفعيل مختلف من شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر. ومن ثم كان اختلاف اللغات هذا الاختلاف الكبير من حيث نتائج التفعيل perfermance، وهو ما يشار إليه بالبنية السطحية، في مقابل البنية العميقة التي يشترك في امتلاكها كل إنسان سويّ. وهذه البنية العميقة، (وهي تمثل الجانب العقلي للغة)، ليس من السهل معرفتها أو الكشف عن حقيقتها. ومن هنا اكتفى الوصفيون بالنظر في البنية السطحية بالوصف، إذ هي أقرب منالاً، وأوثق واقعية وقبولاً للدرس والتحليل.
ومعنى هذا كله أن الوصفيين لا ينكرون وجود الكفاية أو المقدرة أي الجانب العقلي للغة، ولكنهم لعجزهم (وعجز غيرهم بلا شك) عن سبر أغوارها، اكتفوا بدراسة ما يتولد منها بتفعيلها (برمجتها) بمنهج الوصف.
فدراسة الواقع اللغوي الحيّ بالوصف إنْ هو إلا منهج، كما أن دراسة الجانب العقلي منهج آخر. وكل منهج له ما يسوغه ويرشح قبوله، وفقًا للهدف من الدرس والتحليل. وقد نحا تشومسكي(وغيره) هذا النحو العقلي بهدف الوصول إلى ما يعرف بالقواعد العالمية universal grammar بالاعتماد على الخاصة المشتركة بين البشر وهي الكفاية أو المقدرة اللغوية.
ومعلوم أن فكرة «القواعد العالمية» هذه كان لها وجود في القديم، حيث حاول بعض الدارسين الوصول إليها ولكنهم فشلوا، كما فشلت المحاولة، ولم يزل الأمر على ما هو عليه حتى الآن على الرغم من محاولات العقليين، ومن أهمهم في عصرنا الحديث تشومسكي.
ومهما يكن الأمر، فقد نجح الراجحي وفاق غيره من اللغويين المعاصرين في أمور مهمة ذات شأن، التبست على بعض الدارسين. من أهمها:(1) التأكيد على سلامة منهج البحث اللغوي عند الأسلاف وبخاصة المتقدمون منهم، من أمثال الخليل وسيبويه. وأزاح عنه تهمةَ القصور فيه، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من إلقاء الضوء على أبعاده التي تحتاج من ذوي الاختصاص إلى تعميق النظر فيه واستيعابِ طبيعته، بدلاً من التعجّل في إصدار الأحكام غير العادلة. (2) ثبت لديه بوضوح أن هذا المنهج ليس بدعًا ولا صُنعًا مزيّفًا، وإنما هو منهج صالح متقبّل، لوفائه بطبيعة اللغة وطبيعة صاحبها أيضًا، كما قرر ذلك أهل النظر من اللغويين المحدثين، كما أشرنا إلى ذلك قبلاً، وهكذا التقى القبيلان: القديمُ والحديث.
وفي هذا الذي نقول ما يُسلمنا فورًا إلى مزيد بيان عن جهوده المتواصلة في خدمة اللغة العربية ووصْل ماضيها بحاضرها، وهذا جُلّ ما يأمُله المخلصون، كما يتبين لنا ذلك بوضوح، بذكر شيء عما شغل به نفسَه للوصول إلى هذا الهدف.
الميدان الثاني:
هذا هو الميدان الذي يؤكد المسيرة المتواصلة من العمل العلمي الناشرِ مظلتَه من قديم إلى حديث، ومن درس نظري إلى آخر تطبيقي. شغل الدكتور الراجحي نفسه منذ وقت غير قصير بقضية ذات أهمية بالغةٍ في دنيا العرب والعربية. ذلك أنه انصرف منذ عقود من الزمن إلى قضية العمل على نشر اللغة العربية وتوسيع مجالات الوصل والاتصال بها في العالم شرقه وغربه على سواء. تلك هي قضية تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها التي يُحسب الدكتور الراجحي من أوائل اللغويين الجامعيين الذين أدركوا –بصدق- أن هذه اللغةَ لا ينبغي حبسُها في دارها،إذ هي لغةٌ ذاتُ قرار مكين تزيد من ثقافات الآخرين وتضيف إليهم آفاقًا جديدة من المعرفة،التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان،مهما بعُدت الديار ونأى المكان.
بدأ الراجحي عمله في هذا الميدان بتخطيط محكم ونظر ثاقب صائب في وضع المناسب من المقررات وكيفياتِ إنجازها على الوجه السليم، على خلاف ما كان يجري هنا وهناك بطرق عشوائية لا تفكير فيها ولا تدبير.
بدأ عملَه في هذا الشأن على استحياء مع مجموعات صغيرة من غير العرب، للتجريب وكسب الخبرة، ثم اتسعت دوائر الخبرة والتجريب، وبمبرور الزمن أسَّس أو أُسِّس له مركزٌ مستقل بجامعة الإسكندرية، ووُضِعت له النظم واللوائح الكافية لتحقيق هذا المطلب القومي النبيل وسار العمل في هذا المركز بنجاح كبير وتوفيق من الله عظيم وبفضل إدارة الراجحي له.
يؤكد ذلك حضورُ الوافدين إلى هذا المكان بأعداد كبيرة من هنا وهناك من شتى بلدان العالم. حتى صار مَعْلمًا من معالم الإشعاع اللغوي والثقافي العربي.
ساعده على هذا النجاح معرفتُه الواثقة واستيعابُه العميق لأبعاد ذلك العلم الحديث نسبيًّا، علم اللغة التطبيقي الذي كتب فيه الكتبَ والبحوث مؤلفةً ومترجمة.
ولم تقف هِمَّة ذلك الرجل الكريم عند هذا المكان المحدود؛ إذ قد سبقته معارفُه وخبراته في هذا الميدان، وطارت إلى بلدان مختلفة عربية وغير عربية، فدُعِي إليها مرات عديدة، وكان منها على ضرب من التمثيل كما سبق أن بيَّنا، إعاراتُه المتعددة إلى جامعة الإمام بن سعود للاشتراك في العمل أو الإشراف عليه، حتى انتهى به الأمرُ إلى رياسة قسم تأهيل معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها في هذه الجامعة.
وما تزال معارف الرجل وخبراته في هذا الميدان العصيِّ امتلاكُه أو الاقتراب منه، تدرج من مكان إلى مكان ومن زمن إلى آخر حتى هذه اللحظة.
بارك الله في الرجل ونفع الناس كافة بعلمه وفضله.
أيها السادة:
من كل هذا الذي مضى يمكننا القول باطمئنان: إن الدكتور الراجحي صاحبُ مدرسة لغوية عربية، لها مناهجها المتميزة وأهدافُها الواضحة، تنهض هذه المدرسة على مبدأ يؤكد أن الفكر العربي عمومًا يقع تحت خطرين:خطرِ الموت جمودًا إذا انكفأ على القديم وحده،وخطرِ الموت انسلاخًا إذا ترك القديم كلَّه وغاص في الحديث وحده. إن تجدد الحيوية يقتضي ترسيخ الجذور في التراث والاندماجَ في الوقت نفسه في حركة العصر.
وفي عبارة أخرى نؤكد ما قاله غيرُ واحد من العارفين بالدكتور الراجحي والمستوعبين لثمرات جهوده العميقة المتواصلة قالوا كثيرًا نلخص بعبارتنا بقولنا: إن الراجحي يجمع بين القديم في أصالته والحديث في جدته وطرافته. يقول الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، رئيسُ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والوزيرُ السعودي الأسبق:
«يمتاز الدكتور الراجحي في دراساته اللغوية بالجمع بين القديم والجديد وتحس عندما تقرأ له أنك تقرأ لعَلَم من أعلام اللغة والنحو القدماء. فهو متمكن من التراث اللغوي الأصيل، معتزّ به، قادر على تقديمه للأجيال الجديدة بأسلوب يجمع بين سلامة اللغة ورصانتها وبين وضوح التعبير والقدرة على إيصال المعلومات. وتقرأ له -من جانب آخر- فتجد نفسك أمام عالم لغوي معاصر، عارفٍ بكل مستجدات علوم اللغة الحديثة، ناقدٍ لها، منتقٍ منها ما يتناسب مع أساليب العربية وخصائصها. فهو لا يتنكر لتراثه اللغوي، لكنه لا يقتصر عليه». حقًّا إنه يجمع بين القديم في أصالته والحديث في جدته وطرافته.
وإني لأختتم كلمتي المتواضعة هذه بتلك الأبيات التي رواها عن أبي تمام زميلُنا الفاضل الدكتور محمود مكي عند استقباله لسميّه الدكتور الطاهر مكي:
إن يُكْدِ مُطَّـرَفُ الإخـاء فإنـنا
نغدو ونسري في إخاءٍ تالدِ
يختلفْ ماءُ الوِصالِ فماؤنا عذبٌ
تَحَدَّرَ مِنْ غَـمَامٍ واحـدِ
يفترقْ نَسَــبٌ، يـؤَلِّفْ بيـننا
أدبٌ أقمناه مُقـامَ الوالـدِ
إيراد هذه الأبيات وتسجيلُها هنا له ما يسوّغه ويرشّح قبولَه في هذه المناسبة الطيبة. إننا -نحن الأربعة- نشترك في سمة واحدة، هي «الفلحنة»، وإن كان للمكّيين مزيدُ اختصاص «بالصَّعْدنة». والصعدنة في حقيقة الأمر هي أمارة «المِصْرنة» التي غط مظلتُها أرجاءَ أرض الكنانة- مصرَ المحروسة.
فمرحبًا بك أيها الزميل العزيز في مجمع الخالدين، وهنيئًا لشيوخ الدار على الفوز بك، شابًّا في الحيوية والفتوّة وشيخًا في الحُنكة والخبرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كمال بشر
الأمين العام للمجمع
avatar
محمود عبد الصمد الجيار



عدد المساهمات : 41
ذكر العمر : 27


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى